لماذا لا نقرأ؟؟!!
بقلم كريم الشاذلي *
30 أبريل 2008 10:36 ص
كنت أرتب حقيبة سفري ذات يوم عائدا إلى مصر قادما من إحدى الدول العربية
، عندما زارني صديق ، وعرض أن يشاركني ترتيب حاجياتي فلم أمانع . لكنه توقف
فجأة مذهولا أمام إحدى الحقائب الثقيلة والتي لم أكن قد أغلقتها بعد ونظر
إلى ما فيها ، وقال في استنكار : هل ستأخذ هذه الحقيبة معك ؟ ، وعندما
أجبته بعفوية بنعم ، قال معترضا : لكنها ستكلفك كثيرا ، فالشحن على الطائرة
غالي الثمن والحقيبة بالغة الثقل ، فأجبته أني أدرك ذلك تماما وقد أعددت
لكل شيء عدته ! . فحاول إثنائي عن فعل ذلك العمل الطائش من وجهة نظره ، فلم
أزده على أن هذه الحقيبة تحتل الأولوية القصوى لدي . وحينما وجد مني تمسكا
مدهشا قال متعجبا : لا أدري ما الهوس الذي توليه للكتب ، تالله إني لم أقرأ
ورقة منذ تخرجي من كلية الهندسة !! . وصاحبي هذا متكرر في واقعنا ، كثير
الشبه بيننا . النموذج الذي يحدثك عن أن الحياة ليس فيها وقت لنقضيه
متصلبين ماسكين بكتاب نقرأه ، فالحياة بها أهم من ذلك ! . فالقراءة لديهم
مضيعة للوقت ، والدرهم الذي ننفقه على الكتاب كان من باب أولى أن نصرفه على
الطعام أو الملبس .. وهؤلاء كثر للأسف . بيد أن هناك نوع أخر يقدر قيمة
القراءة نظريا ، لكنه لا يقرأ . وعندما تحدث عن أهمية القراءة ودورها في
اتساع مدارك المرء ورقيه يؤكد له أن واثق تماما من هذا الأمر ، لكن المشكلة
التي تواجهه أنه ما يلبث أن يمسك بكتاب إلا ويداعب النعاس جفنيه ، ويتملكه
السأم والملل سريعا . وبين صنف لا يعترف بقيمة القراءة وصنف لا يستطيع
القراءة ولا يملك الدافع على القراءة ، تضيع أمتنا وتسقط بملء إرادتها من
حقيبة التقدم والرقي .
كيف تصبح قارئا ..؟ القراءة تحتاج إلى جهد وتعب ..! نعم قد تكون هناك
أنواع من القراءة الممتعة والمسلية كقراءة الروايات والكتب الخفيفة ، لكن
الإنسان لا يقرأ فقط من أجل المتعة ، وإن كانت المتعة مطلبا شريفا وهاما .
لكن القراءة المثمرة تتطلب نوع من الالتزام ، والتعامل مع الكتاب بجدية
ومسؤولية ، ولهذا يفشل الكثيرون في الحصول على لقب القارئ الجيد . وإليك
مجموعة من الالتزامات التي يجب أن تأخذها بجدية ، إذا ما كنت طامحا في أن
تكون قارئا جيدا وهي : التغلب على العقبة النفسية : تلك العقبة التي تجعل
الكتاب ثقيلا على النفس ، باعثا على التثاؤب والنعاس ، والتغلب على هذه
العقبة يحتاج إلى نية صادقة أولا ، وتوفر دافع قوي للقراءة . بدون متعة
ولذة لن يستطيع المرء تحطيم ذلك الحاجز الوهمي الذي صنعه للهروب من مسؤولية
القراءة والثقافة ، وتلك المتعة ستتأتى حينما نرى ثمرة ما قرأناه يانعا في
ذوقنا وسلوكنا ورؤيتنا للأشياء ، والخطوات القادمة ستساعد على تحطيم هذا
الحاجز . استحضار الدافع : العلم هو أعظم القربات إلى الله سبحانه وتعالى ،
يجب ألا يفارق هذا الأمر ذهنك ، فعندما وعى المسلمون الأوائل هذا المعنى
غيروا الدنيا بعلمهم وثقافتهم وتحضرهم وأناروا العالم وأضاءوا جنباته ، أن
تقرأ أنت في عبادة لله ، في رحلة إلى الله ، ولا أقصد القراءة الفقهية أو
الدينية بل أقصد القراءة المفيدة بكافة ألوانها العلمية والثقافية والفنية
. ضع خطة للقراءة : دائما الأشياء التي نخطط لها يكون عائدها وفائدتها أكبر
، ويسري هذا على القراءة كذلك ، فوضع خطة للقراءة يوفر في الوقت ، ويساعدك
على تقييم قراءتك ، وقبل وضع خطة القراءة يجب الالتفات إلى مجموعة من
الملاحظات العامة وهي : · قدراتك : كم أستطيع أن أقرأ خلال الثلاث أشهر
القادمة ، حدد بناءا على معرفتك بنفسك ، ولا تبالغ فتنكص فتشعر بالفشل ،
ولا تتهاون فيضيع وقتك ، حدد بعد تفكير ما يناسب قدراتك . · اهتمامك : ماذا
تقرأ ؟ ، هذا أمر بالغ الأهمية ، أنت لست مطالب بقراءة كل ورقة تقع تحت
يديك كي تمشي مختالا بأنك واسع الثقافة والاطلاع ، بل يجب أن تكون هناك
منهجية لقراءتك هذه المنهجية مبنية على اهتماماتك الفكرية والعملية . ·
وقتك : خطتك يجب أن تضعها وفق الأوقات التي تستطيع أن تقرأ فيها ، ونوعية
الكتب تتحدد حسب هذا الوقت ، فهناك كتب لأوقات الراحة والهدوء ، وكتيبات
تناسب الوقت الذي تقضية في المواصلات أو الانتظار وهكذا . وبعد وضع الخطة
تكون هناك مراحل للتقييم وإعادة النظر ، تنظر فيها إلى إنجازك ، وهل استطعت
الوفاء بما التزمت به أم أن هناك مشاكل ، وهل هذه المشكلات في الخطة ودقتها
، أم في ظروف طارئة يمكنك تذليلها .
تحمل البداية : الصاروخ يستهلك معظم قوته فقط في الانطلاق ، والبدايات
دائما ما تكون صعبة شديدة قوية ، تحتاج إلى جهد مضاعف ، وصبر شديد . يزيد
الأمر صعوبة أن إنجازات البدايات تكون بسيطة غير منظورة ، لكن بالصبر يمكن
للمرء أن يجني الكثير ، ويمكن أن تساعد نفسك في البداية بالإكثار من قراءة
ما تحب وتهوى ، هناك كتيبات صغيرة ، وكتب بسيطة لا تحتاج إلى كثير تركيز
يمكنك البدء بها ، دائما ما أهدي أصدقائي الذي أعرف لديهم سأم شديد من
القراءة كتاب ( لا تحزن) للدكتور عائض القرني ، فهو في ظني بداية جيدة
لممارسة القراءة . ويمكن للقارئ المبتدئ أن يبدأ بالكتب البسيطة الخفيفة ،
يمكنه أن يبدأ بالروايات أو كتب الخواطر ، أو الكتب التي تحتوي على قصص
وأخبار ، أو كتب السمر . استغل الأوقات الميتة : في مجتمعنا نطلق مصطلح (
الوقت الميت ) على الأوقات التي تمضي في انتظار شيء ما ، كانتظار الطبيب ،
أو ركوب حافلة ، أو عند الحلاق مثلا . هذه الأوقات يمكننا استغلالها في
القراءة ، وهنا تظهر أهمية كتب الجيب والتي يمكنك حملها في حقيبتك أو جيب
سترتك وإخراجها كلما سنح الوقت . لعل من زار الغرب رأي كيف أن ركاب
الحافلات منشغلون إما بقراءة كتاب أو جريدة ، أو حتى الاستماع إلى مادة
صوتية عبر جهاز الاستماع MP3 ، وأن عيادات الأطباء وأماكن الانتظار تكون
دائما مكتظة بمواد تثقيفية منوعة تناسب ميول الإنسان في الغرب ، على عكسنا
تماما حيث نطالع بعضنا البعض ونتسلى في التحديق إلى الطريق خلال وقتنا الذي
نقضيه في المواصلات . اجعل من القراءة التزام : القراءة ليست هواية تقوم
بها وقتما وجدت وقتا وأردت استغلاله ، بل التزاما جديا ، ومسؤولية يجب عليك
الوفاء بها ، لذا أنصحك أن تُقبل على القراءة وأنت مستعد نفسيا وذهنيا
للاستفادة مما كُتب ، حلق مع الكتاب واستخرج منه الحكم والمعاني والأفكار
التي تسكن بين دفتيه ، يمكنك الاستعانة بقلم تكتب به على الهامش ملاحظاتك ،
يفيدك هذا كثيرا إذا أحببت مطالعة الكتاب مرة أخرى ، وكذلك في استرجاع
معلومة أو مسألة من الكتاب بيسر وسهولة . إذا أمسكت كتابا فلا تمسك غيره
حتى تنهيه ، فبجانب أن هذا سيمنعك من التشتت الذهني ، فإن إنهاء كتاب كاملا
يعطيك الثقة والتفاؤل في نفسك ، ويدفعك إلى تكرار الإنجاز مرة أخرى .
* كريم الشاذلي: كاتب
وباحث في مجال العلوم الإنسانية ومقدم برنامج ( أحلى شباب) على قناة البدر
الفضائية |